الكلمة الإفتتاحية للطبعة 16

Search

|
+213 (0) 23.48.44.39


الجزائر... عاصمة القرآن في شهر القرآن

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـ أصحاب المعالي السادة الوزراء.

ـ أصحاب السعادة السادة السفراء.

ـ إطارات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية.

ـ السادة العلماء والأساتذة والمشايخ.

ـ السادة أعضاء لجنة التحكيم من داخل الجزائر وخارجها.

ـ السادة الأئمة والمرشدات الدينيات وأساتذة وأستاذات التعليم القرآني.

ـ أبنائي وبناتي المتسابقين والمتسابقات من حملة كتاب الله عزّ وجلّ.

ـ ضيوفنا الكرام من داخل الوطن وخارجه.

ـ أسرة الإعلام.

ـ أيّها المشاهدون الأفاضل والمشاهدات الفضليات الذين يتابعون حفلنا هذا.

أيها الجمع الكريم، كل باسمه وجميل وسمه.

السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته

في هذه الليلة المشهودة، وفي هذه المناسبة الطيبة يحتفي الشعب الجزائري بجائزة الجزائر الدولية للقرآن الكريم، وتشاركُه الأمةُ الإسلامية التي أرسلت بخيرة أبنائها من مختلف القارات وبقاع المعمورة.

وأمام هيبة القرآن وجلاله، تزول حجب الزمان والمكان، لنستحضر أجواء العالم السماوي، قبل أكثر من 14 قرنًا، وهو يحتفي بتلك الليلة المباركة التي أنعم الله فيها على أهل الأرض بكرامة القرآن، ﭚﭛ [سورة الدخان/3].

لقد كانت لحظةً فاصلةً في تاريخ الوجود الإنساني، ومساره الحضاري، فعالم الناس بعد نزول القرآن ليس كعالمهم قبل نزوله، إنه الرسالة الخالدة التي أحيت دعوة الأنبياء والمرسلين وكلمة الله الخاتمة التي حملها سيدنا محمد r وعليهم أجمعين.

إنه الكتاب الذي أعاد الكرامة للإنسان، رفع شأنه وبالعلم زانه من حيث هو إنسانٌ [سورة الإسراء/70].

إنه الكتاب الذي يدعو إلى الحياة الطيبة في الدنيا، والحياة السُعدى في الآخرة، ﯤﯥ [سورة الأنفال/27].

إنه الكتاب الذي يؤسس مدينةَ الفضيلةِ الواقعيةِ بعد أن تاهت البشرية في البحث عن المدينة الفاضلة التي لا وجودَ لها إلا في عالم الخيال، ﭿﮀ [سورة الحجرات/13].

لقد كان فضلُ القرآن الكريم على الإنسانية كبيرا، حيث تلقَّته القلوبُ السليمة بالكرامة والترحاب، بنوره تهتدي، وبسرِّه تقتدي، شغلت أوقاتها بالتلاوة والمدارسة، والتربية والمغارسة، وجعلت من مقاصد القرآن وأهدافه، وتوجيهاته وآدابه منهجًا في دنيا الناس عملا وسلوكا، رعية وملوكا، فتوجهت همّتُهم لخدمته، فبذلوا الذهب والإبريز، وكل غال وعزيز، والمُهج والأنفاس، فهو المجد كله، وبغيره لا يقاس، تثور منه البركة، وتتفجر منه الحركة، فالكون كله آية الطاعة في إخبات، والملكوت كله ينطق بلسان فصيح بأعذب الأذكار والتسبيح، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.

ما أروع تلك المشاهد الرمضانية التي تكتحل بها الأعين، وتهدأ لها النفوس،  وتطمئن بها القلوب، حينما نرى المؤمنين والمؤمنات من شتى الأقطار، ومن مختلف الأعمار والطبقات، يُقبلُون على هذا الكتاب العزيز، يواصلون مسيرة الأمة على نهج القرآن، يستلهمون هذه الروح من إسوتهم الكبرى سيدنا محمد r الذي قال واصفه ابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما فقال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ r أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». [أخرجه البخاري ومسلم].

هنيئًا للجزائر، أمةِ القرآنِ، وقد تشرّفت في هذه الأيام، بأن غَدَتْ قبلةَ أهل القرآن، يؤمها حفظة كتاب الله عز وجل المجوِّدُون المتقنون من كل فج عميق، في العشر الأواخر المباركات من شهر رمضان الفضيل، ليشهدوا هذا المحفل القرآني الكبير، ويتنافسوا في أشرف ميدان يتنافس فيه المتنافسون.

لقد فتحتِ الجزائرُ أحضانَها للفاتحين الأوائل من الصحابة والتابعين فقبلت منهم أمانة الإسلام ووديعة القرآن، قبلوا الإسلام دينًا وسطًا، وعلقوا القرآن بالقلب نَوَطًا، فنشروا الدين في أوربا وإفريقيا، بالعلم سراجًا، وبالأخلاق سياجًا، تطبعهم حدّة الأمازيغ، ولكن بحب وصدق عنه لا تزيغ، فأقبل أهل هذا البلد الطيب المبارك على القرآن إقبال ذوي المحبة والعزيمة في تعلمه وتعليمه، وفي فهمه وتفسيره، وفي رسمه وضبطه، وفي البذل والعطاء في خدمته والعناية به، فكنا خير آخذ حفظنا الأمانة وصنا الوديعة، لأنها أمانة الشهداء، وعهد الوطن الحبيب والولاء، فتوحدت بالقرآن الراية، واجتمعت الكلمة، وتقوت العزيمة، وتوسع الوعي، وتجندت اليقظة للتصدي لكل من يدعو إلى المساس بهذا المقدس عند الجزائريين، وَحَدتهم واجتماعَ كلمتهم، وما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان.

ولا تسأل عن أسباب هذه الهبة نحو القرآن، فـ ((ما جاء على أصله فلا سؤال عليه))، إنها أصالة المجتمع الجزائري في علاقته الحميمية مع القرآن، وكأنها علاقة العاشق الولهان، فانطلق أبناء هذا الوطن ـ على غرار أخوانهم في بلاد الإسلام ـ يتفَّننُون في أساليب خدمة كتاب ربهم؛ بالفكر، والجهد، والمال، حتى إذا قلَّت ذاتُ اليد عند بعضهم، لم تسمح لهم إرادتهم الصادقة وعزيمتهم الوثابة أن يستسلموا لواقعهم وظروفهم، فراحوا يبتكرون أساليب أخرى يُدْلُون فيها بِدَولِهِم في العناية بالقرآن، فَتَجِدُ ذلك الفلاح البسيط الذي يوفِّرُ لطلبة الزاويةِ الألواحَ، وتَجِدُ ذلك الراعيَ البسيط الذي يُحضِّر الأقلام ويَبريهَا، وتَجدُ تلكَ المرأةَ التي تُحوِّلَ الصُّوفَ إلى سَمْغٍ ومِدادِ يَكتُب بهُ الطلبةُ آيَ القرآنِ في ألواحِهمْ، قبل أن تمتلئَ بهَا قلوبُهم، وتصدحَ بها حناجرُهم، وحتَّى البدوُ الرٌّحلُ كانوا يحرصُونَ على اصطحاب معلمٍ، يقرئِهُم القرآنَ ويعلِّمُ أولادَهمْ.

 إنها عمليات تبدو بسيطة في شكلها، ولكنها عميقة في معناها، لأنها تعبير عن استمرار العهد مع القرآن، مهما اختلفت الظروف وتقلبت الأحوال.

وفي سياق عناية مجتمعنا بكتاب الله تعالى، فمن نافلة القول أن نذكر بجهود الدولة الجزائرية في خدمة القرآن الكريم، لتنال هذا الشرف الأثيل، والقدر العظيم، فجعلتِ من المنظومةِ القانونيةِ وسيلةً لخدمة كتاب الله، فقد وضعت البرامج والمناهج التربوية المساعدة على تعلم القرآن وتعليمه، وأنشأت المؤسسات والهياكل، كالمساجد، والمدارس القرآنية، ومعاهد تكوين الأئمة، والمراكز الثقافية، واعتنت بالزوايا العلمية، وكل هذه المؤسسات تستقبل الأعداد الكثيرة من المواطنين والمواطنات الذين تشدهم الرغبة إلى حفظ القرآن الكريم ودراسته وفهمه، كما سخرت الدولة           -ولا تزال- كل الطاقات البشرية من الأئمة والمرشدات والمعلمين والمعلمات الذي يأخذون بأيدي أبنائنا وبناتنا في كل العمليات التربوية، وهم يتلقون القرآن ويتحمَّلُونَه من أفواه الرجال والنساء، كما جرت عليه سنة الأمة، يشهد لذلك القاصي والداني، وتُسجِّلُه وسائل الإعلام في بلدنا، المكتوبة والمسموعة والمرئية وحتى وسائط التواصل الاجتماعي.

كل هذا في تناغم وتعاون مع كل الطاقات الحية، تحدوهم إرادة الخير المتأصلة في هذا المجتمع، بدءا من المحضَنِ الأول في الأسرة التي تحرص على أن يكون فلذات الأكباد من حملة القرآن، إلى مؤسسات المجتمع المدني التي تندمج مع الجهد الوطني المتكامل في تحقيق هذه الرسالة الحضارية القرآنية، إلى إسهامات المحسنين الذي يبذلون النفيس هذا الميدان المبارك، إنها الإرادة المشتركة في تعظيم شعيرة خدمة القرآن [سورة الحج/32]، جهود تحفظ للمجتمع نسيجه، وتقوي كل آصرة ووشيجة.

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل

إن وصول أبنائنا الطلبة إلى هذا المستوى العالي في حفظ القرآن الكريم وتجويده، سواء المسابقات المحلية الولائية في المساجد والبلديات والدوائر والولايات، وصولاً إلى الأسبوع الوطني للقرآن الكريم الذي دأبت الجزائر على تنظيمه منذ عشرين سنة في ذكرى المولد النبوي الشريف، وانتهاء بالجائزة الدولية للقرآن الكريم التي تدخل طبعتها السادسة عشرة هذا العام، وفي كل هذه المحافل نسجل تلك الإنجازات التي يحققها أبناء والجزائر وبناتها بفوز معظمهم بالمراتب الأولى في المسابقات العالمية للقرآن الكريم التي تُنظَّمُ في مختلف عواصم العالم الإسلامي، إضافة إلى المشاركة الفعالة لقُرَّاءِ الجزائر كحكام دُوليِّينَ فيها.

إن وصول هؤلاء الشباب إلى المستوى المتألق المتأنق في حفظ كتاب الله وتجويده، يدعونا جميعا إلى استحضار جهود مؤسسات التعليم القرآني في الجزائر وفي كل أقطار العالم الإسلامي، في المساجد والكتاتيب، والمدارس القرآنية، والزوايا، وفي الخلاوى، والمحاضر، وكلّ منارات القرآن.

ويدعونا أيضا إلى أن نستحضر جهود الآباء والأمهات وحرصهم الدائم على تحفيظ أولادهم، يرجون بذلك أن ينالوا تاج الكرامة.

ويدعونا أن نستحضر جهود معلمي ومعلمات القرآن، وشيوخ الزوايا، وأئمة الإقراء، ليس لهم من قصد ولا هدف، سوى أن ينالوا بشارة المصطفىr: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». [أخرجه البخاري].

أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل

إن العناية بالتعليم القرآني هو استثمار في التنمية البشرية المستدامة، التي تهيِّئُ لنا شبابا يحمل قيم القرآن وأخلاقه ومبادئه السامية، فمن تعلم القرآن رضع معه حب والديه، وأسرته ومعلميه وكل من له حق عليه في محيطه وبيئته، ومن تعلم القرآن نشأ على حب وطنه وأمته وبذل كل ما يستطيع في خدمتهما، ومن تعلم القرآن امتلأ قلبه بالحب الذي يصل مداه وصداه إلى الإنسانية جمعاء، وقدوتنا الحبيب المصطفى r الرحمة المهداة والنعمة المسداة: [سورة الأنبياء/107].

إن المتمسك بالقرآن هو حامل لقيم العلم والأخلاق، والاستقامة والالتزام في شتى شؤون الحياة، فتخريج حامل القرآن هو صناعة للطبيب الذي يصون يمينه، فيحارب الأدواء ويقدم الدواء، وهو صياغة للمهندس الماهر في عمله المبدع في مجاله، وهو إنتاجٌ للأستاذ الناصح، والمربي الناجح، وتوفيرٌ للعامل المهني المتقن لشغله المتفاني فيه، والتاجر الصدوق، السمح إذا باع والسمح إذا اشترى، وتقديمٌ للمسؤول الصادق الأمين الذي يحمي مقدرات الأمّة ويبذل نفسه في خدمة الآخرين، والأبِ الرحيم، والأم الرؤوم، والأسرة القرآنية، إنه باختصار يشكل تنمية مستدامة لأنه استثمار في تكوين الإنسان القرآني بكل ما يحمل من قيم الحقِّ والخيرِ والجمالِ.

وفي الأخير أود أن أتقاسم معكم شعورا بالتفاؤل يملأ قلبي في هذه اللحظات، إنه الشعور بالأمان في وطن يُعتَنَى فيهِ بالقرآنِ، ويُعظَّمُ فيه أهلُ القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته، وهم من صفوة الذَّاكرين الذين لا يشقى بهم جليسهم، وصدق إمامنا مالك t الذي قال: ((لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها))، تفاؤلٌ يشفعه التعاون مع الخيرين في بلادنا، وهم كثر لتحقيق الإصلاح المنشود، والوثبة الوطنية المنتظرة، التي تشيع العدل والخير، وتحارب الشرّ والفساد.

إن اعتصام أمتنا بالقرآن الذي حصنّها من كل الفتن، ووقاها من كل الكروب عبر التاريخ، هو الذي يضمن لها ذلك في حاضرها، ويحقق لها ذلك في مستقبلها.

حفظ الله الجزائر، وأخذ بيدها في طريق الأمن والسلم، والتنمية والسؤدد.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المواعيد

قصر المعارض ، فندق السوفيتال
من 20 إلى 26 رمضان 1440 ه
الموافق : 25 إلى 31 ماي 2019 م

العنوان

04 شارع تيمقاد حيدرة
حيدرة 16016 الجزائر

+213(0)23.48.44.39
djaizacoran@marw.dz